الغزالي
171
فضائح الباطنية
والتقىّ في أرجوحة الهوى يغلب تارة ويعجز تارة ، والشيطان ليس يفتر عن الوساوس ، والزلات تجرى على الأنفاس ؛ فكيف يتخلص البشر عن اقتحام محظور والتورط في محظور ! ؟ ولذلك قال الشافعي - رضي الله عنه - في شرط عدالة الشهادة : لا يعرف أحد بمحض الطاعة حتى لا يتضمخ « 1 » بمعصية ؛ ولا أحد بمحض المعصية حتى لا يقدم على طاعة ، ولا ينفك أحد عن تخليط ؛ ولكن من غلبت الطاعات في حقه المعاصي ، وكانت تسوؤه سيئته وتسره حسنته فهو مقبول الشهادة ؛ ولسنا نشترط في عدالة القضاء إلا ما نشترطه في الشهادة ، ولا نشترط في الإمامة إلا ما نشترطه في القضاء ، وهذا ذكرناه إذا لج ملاح أو ألح ملحّ ولازم اللدد في تصوير أمر من الأمور لا يوافق ظاهر الشرع ، وإرادته الطعن في الإمامة والقدح فيها ، عرف أن ذلك غير قادح في أصل الإمامة بحال من الأحوال . القول في الصفة الرابعة وهي العلم فإن قال قائل : اتفق رأى العلماء على أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع ، ولا يمكنكم دعوى وجود هذه الشريطة ، ولو ادعيتم أن ذلك لا يشترط كان انسلالا عن وفاق العلماء قاطبة ، فما رأيكم في هذه الصفة ؟ قلنا : لو ذهب ذاهب إلى أن بلوغ درجة الاجتهاد لا يشترط في الإمامة لم يكن في كلامه إلا الإعزاب « 2 » عن العلماء الماضين ، وإلا فليس فيه ما يخالف مقتضى الدليل وسياق النظر ، فإن الشروط التي تدعى للإمامة شرعا لا بدّ من دليل يدلّ
--> ( 1 ) يتضمخ : يتلطّخ . ( 2 ) الإعزاب : الاعتزال والابتعاد .